الشيخ محمد رشيد رضا
463
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومن العبرة في الآية أن الماديين من البشر يعدون الرحمة ضعفا في النفس تجب مقاومته بالتعليم والتربية أي بافساد الفطرة الإلهية التي أودع فيها الرب الرحيم جزءا من مائة جزء من رحمته يتراحم بها خلقه ويتعاطفون « 1 » وقاعدة التربية المادية أن أمور الحياة كلها تجارة يقصد بها الربح العاجل ، فإذا رأيت امرأ أو امرأة أو طفلا أو عشيرة أو أمة عرضة للآلام والهلاك ولم يكن لك ربح وفائدة خاصة من دفع الهلاك عنهم فلا تكلف نفسك ذلك ، وإذا كان لك أو لقومك ربح من ظلم فرد من الافراد أو شعب من الشعوب وإشقائه بالاستعباد ، وإفساد الاخلاق وارهاق الأجساد ، فافعل ذلك وتوسل اليه بكل الوسائل التي يدلك عليها العلم وتمكنك منها القوة ، بل هم يربون أولادهم على أن لا ينالوا منهم شيئا إلا بعمل يعملونه لهم ، ليطبعوا في أنفسهم ملكة طلب الربح من كل عمل ، وهذا حسن إذا لم ينزعوا منها عواطف الرحمة وحب الاحسان بمراغمة الفطرة وافسادها على هذه القاعدة قام بناء الاستعمار الإفرنجي في العالم فكل دولة أوربية تستولي على شعب من الشعوب تعنى أشد العناية بافساد أخلاقه واذلال نفسه واستنزاف ثروته ، وكل ما تعمله في بلاده من عمل عمراني كتعبيد الطرق واصلاح ري الأرض فلأجل توفير ربحها منها ، وتمكينها من سوق جيوشها التي تستعبد بها أهلها ، . وقد أنا في هذا العام مقالات لسائحة اميركانية طافت كثيرا من المستعمرات الأوربية في الشرق الأقصى ، وصفت إذلال المستعمرين فيها للأهالي بنحو جرّهم لعرباتهم ، والدوس على رقابهم وظهورهم ، وافساد أنفسهم وأجسادهم بإباحة شرب سموم الأفيون والكحول ( الخمور الشديدة السم ) ، وسلب أموالهم بوسائل نظامية - فذكرت ما تقشعر منه جلود المؤمنين ، وتشمئز نفوس الرحماء المهذبين ، ومن ذا الذي يستغرب منهم هذا بعد أن علم ما اقدموا عليه في حرب بعضهم لبعض في بلادهم ( اوربة ) من القسوة والتخريب والتدمير ؟ فهم يروون ان قتلى هذه الحرب بلغت عشرة ملايين شاب والمشوهين المعطلين من الجراح زهاء ثلاثين مليونا ، وان نفقات التدمير قدرت بخمسمائة ألف مليون جنيه انكليزي ، وهي لو أنفقت على اصلاح كل ممالك المعمور لكفت . ولا تزال الدول الظافرة المسلحة ترهق الذين لا سلاح بأيديهم وتحاول الاجهاز
--> ( 1 ) معنى حديث الصحيحين